لا شك أن تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي في الآونة الأخيرة أصبح له تأثير ملحوظ على عملنا وحياتنا. فالتقدّم الكبير الذي نشهده اليوم حدث خلال مدة قصيرة نسبيًا، إلى درجة أصبحنا نشعر فيها بأن العالم يتحرّك بسرعة رهيبة، سرعة لا تشبه السرعة البشرية التي اعتدنا عليها.

تطوّرت الكتابة الأكاديمية، مثلًا، فأصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين ما يُكتب بالقدرات الذاتية للإنسان وما يُنتَج بواسطة الذكاء الاصطناعي. وإن أردنا إنجاز الكتابة اعتمادًا على قدراتنا اللغوية وحدها، فقد نشعر بأننا لن نضاهي جودة النصوص التي تنتجها هذه الأدوات وسرعتها.

وهكذا، أصبح العالم يتحرّك بسرعة هائلة، ليس بالضرورة لأن الإنسان نفسه أصبح أسرع، بل لأن الآلة باتت قادرة على إنجاز ما كان يحتاج منا ساعات طويلة في دقائق معدودة.

أصبح الأمر أشبه بأشخاص يمشون ببطء على جهاز يتحرّك وحده بسرعة متزايدة؛ فبدلًا من أن نطوّر قدراتنا لنتقدّم، قد نجد أنفسنا نعتمد على سرعة الآلة حتى نتمكّن من مواكبة العالم من حولنا.

ولعلّ المشكلة لا تكمن في تطوّر الذكاء الاصطناعي بحدّ ذاته، بل في الطريقة التي أصبحنا نستخدمه بها. فقد أصبح قسم كبير من الأشخاص يستعينون به حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، بدءًا من اختيار المأكل والمشرب، مرورًا باتخاذ القرارات البسيطة، وصولًا إلى التعامل مع المشكلات اليومية بين البشر. ومع الوقت، قد نجد أنفسنا نتخلّى عن التفكير في بعض الأمور التي كنّا نمارسها بصورة طبيعية، ونترك للآلة مهمة البحث والمقارنة والاختيار بدلًا منا.

وهنا يبرز السؤال: ماذا يحدث لقدراتنا العقلية عندما نتوقّف عن استخدامها؟

يتكوّن الدماغ من شبكات مترابطة تعمل معًا لأداء وظائف مختلفة؛ فالقشرة الجبهية الأمامية تؤدي دورًا مهمًا في التخطيط واتخاذ القرارات، بينما يساهم الحُصين في تكوين الذكريات الجديدة واسترجاع بعض المعلومات. ولا تعمل هذه المناطق بصورة منفصلة، بل تتعاون ضمن شبكة معقّدة من العمليات العقلية. وكما تحتاج العضلات إلى الاستخدام للحفاظ على قوتها وأدائها، تحتاج قدراتنا العقلية إلى الممارسة والتحدّي حتى نحافظ على مهاراتنا ونطوّرها.

فعندما نبحث عن معلومة، أو نحاول اكتشاف حل لمشكلة، أو نقارن بين عدة خيارات قبل اتخاذ قرار، فإننا نمارس قدرات عقلية مهمة. أمّا عندما نترك هذه المهام للذكاء الاصطناعي في كل مرة، فإننا نقلّل من فرص تدريب تلك القدرات. ولا يعني ذلك أن استخدام الذكاء الاصطناعي يؤدي حتمًا إلى تدهور الدماغ، لكن الاعتماد المفرط عليه قد يجعلنا أقل ممارسة للتفكير المستقل، والبحث والاستكشاف، وحل المشكلات.

ويزداد الأمر وضوحًا عندما نتحدث عن الطلاب. فمع الكمية الهائلة من المعلومات التي أصبح بالإمكان الحصول عليها بكبسة زر، يجد الطالب نفسه أمام بحر من المعلومات والأسئلة والإجابات الجاهزة. في السابق، كان الطالب يبحث في المواقع والمصادر المختلفة عن سؤال مناسب، ويحاول فهمه، ثم يجتهد في الوصول إلى الحل. أمّا اليوم، فقد يجد نفسه مشتّتًا بين كمّ هائل من الخيارات، أو يلجأ مباشرة إلى الآلة للحصول على الإجابة، دون أن يمنح نفسه فرصة كافية للتفكير والمحاولة.

وفي ظل هذا الواقع، قلّما نرى طالبًا يحاول حل سؤال بمجهوده الذاتي، دون الاستعانة بأي أداة، حتى عندما تكون لديه القدرة على ذلك. وهنا لا تكمن المشكلة في الحصول على الإجابة، بل في الطريق الذي كان من المفترض أن يسلكه الطالب للوصول إليها؛ فالمحاولة والخطأ، والبحث عن المعلومات، وربط الأفكار، واكتشاف سبب صحة الإجابة أو خطئها، جميعها أجزاء أساسية من عملية التعلّم.

وفي المقابل، أصبحت الوظائف المنزلية والامتحانات التي تُنجز في المنزل تشكّل تحدّيًا كبيرًا أمام الطلاب والمحاضرين على حدّ سواء. ففي بعض الحالات، يفرض المحاضرون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو يشجّعون عليه، بهدف مواكبة التطوّر والاستفادة من إمكانات هذه التقنيات. لكن عندما تصبح الإجابات الجاهزة هي الغاية، بدلًا من أن تكون وسيلة للتعلّم، قد يجد الطالب نفسه ينتقل من البحث والتفكير إلى نقل الإجابات وتعديلها بما يتناسب مع المطلوب، دون أن يكتسب بالضرورة المعرفة أو المهارة التي يُفترض أن يكتسبها.

ومن هنا، يصبح من الضروري أن نعيد النظر في علاقتنا بالذكاء الاصطناعي. فلماذا لا ننظر إليه بوصفه أداة سهلة ومتاحة تساعدنا في الوصول إلى المصادر، وتوفّر علينا الوقت والجهد، وتفتح أمامنا آفاقًا جديدة للتعلّم؟ لماذا لا نستفيد من إمكاناته دون أن نتخلّى عن قدراتنا الذاتية؟

يمكننا، مثلًا، أن نحاول حلّ السؤال بأنفسنا أولًا، ثم نستعين بالذكاء الاصطناعي لمراجعة الحل وفهم الأخطاء. ويمكننا أن نبحث عن المصادر التي يقترحها، ونقرأها ونقيّمها بدلًا من الاكتفاء بالملخّص الجاهز. كما يمكننا استخدامه لتوسيع أفكارنا، لا لاستبدالها، ولتعلّم مهارات جديدة، لا للتخلّص من الجهد الذي يتطلّبه تعلّمها.

ربما لا نحتاج إلى مقاومة هذا التطوّر، ، بل إلى تعلّم كيفية استخدامه بوعي.

أن نعرف متى نستعين بها، ومتى نمنح عقولنا فرصة للبحث والتفكير والاختيار. فالمكسب الحقيقي لا يكمن في أن تصبح الآلة قادرة على التفكير نيابةً عنا، بل في أن تساعدنا على التفكير بصورة أفضل.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن نتأمّله: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لنطوّر قدراتنا ونوسّع آفاقنا، أم نستخدمه تدريجيًا حتى نستغني عن ممارسة قدراتنا العقلية؟