قد تبدو كلمة "إحصاء" للوهلة الأولى مرتبطة بالقوانين والمعادلات والحسابات فقط، وقد يتساءل الطالب:

هل الإحصاء مجرد أرقام وقوانين يجب حفظها؟

في الحقيقة، الإحصاء أوسع من ذلك بكثير.

نعم، قد تحتوي مادة الإحصاء على العديد من القوانين والمفاهيم التي تبدو معقدة، ويختلف مستوى الرياضيات والحسابات فيها باختلاف التخصص والمستوى الدراسي.

لكن الجميل في الإحصاء أننا نستطيع أن نتعلمه ونستخدمه بطرق مختلفة، بحسب المجال الذي ندرسه والسؤال الذي نريد الإجابة عنه.

فقد يدرس الإحصاء طلاب تخصصات الرياضيات وعلوم الحاسوب، كما يدرسه طلاب العلوم الاجتماعية والاقتصاد والطب والأعمال وغيرها من التخصصات. ويختلف عمق الإحصاء وطريقة استخدامه من تخصص إلى آخر، لكنه حاضر في معظم المجالات الجامعية.

نفس الفكرة، ولكن باختلاف مستوى العمق والتطبيق.

"أثبت لي أنك على حق"

لنفترض أنك سمعت شخصًا يقول:

"الطعام لا يؤثر على وزن الجسم."

يمكنك أن تجيبه بمعلومات علمية وبيولوجية، أو ربما تقول له:

"أنا شخصيًا، في الشهر الأخير، أكثرت من الطعام وزاد وزني."

هنا قدمت له مثالًا واقعيًا يشير إلى وجود علاقة بين الطعام والوزن.

لكن ماذا لو أجابك:

"وأنا في الشهر الأخير أكثرت من الطعام ونقص وزني!"

هنا تبدأ القصة تصبح أكثر تعقيدًا.

لدينا حالتان مختلفتان، ومن الممكن أن تكون هناك عوامل أخرى تؤثر على الوزن.

إذن، لا يمكننا الاعتماد على تجربة شخص واحد للوصول إلى حكم عام.

وهنا يأتي دور الإحصاء.

إذا أردنا دراسة العلاقة بين كمية الطعام والوزن، يمكننا جمع بيانات من مجموعة من الأشخاص، ومتابعة كمية الطعام التي يتناولونها والتغير في أوزانهم، ثم استخدام الأساليب الإحصائية لتحليل هذه البيانات ودراسة العلاقة بين المتغيرين.

وبذلك ننتقل من تجربة شخصية واحدة إلى بيانات يمكن تحليلها.

ومن المهم هنا أن ننتبه إلى أن وجود علاقة إحصائية بين متغيرين لا يعني بالضرورة أن أحدهما هو السبب المباشر للآخر؛ إذ أنّه توجد عوامل أخرى تؤثر في النتيجة.

وقد تكشف لنا البيانات عن علاقات وأنماط لم تكن واضحة لنا من قبل، مما يساعد على تطوير الأبحاث وفهم الظواهر بصورة أفضل.

من المجتمع إلى العينة

إذا كان اهتمامنا بمجموعة كبيرة من الأشخاص أو الأشياء، فإن هذه المجموعة تسمى المجتمع الإحصائي (Population).

وفي كثير من الحالات لا نستطيع دراسة كل أفراد المجتمع، لذلك نختار جزءًا منه يسمى العينة (Sample).

ومن خلال جمع البيانات من العينة وتحليلها، يمكننا في ظروف مناسبة استخدام الأساليب الإحصائية للاستنتاج عن المجتمع الأكبر.

ومن هنا تبدأ رحلة الإحصاء.

1. الإحصاء الوصفي

Descriptive Statistics

أولًا، نحتاج إلى فهم البيانات التي جمعناها ووصفها وتلخيصها.

نستخدم لذلك الأرقام والجداول والرسوم البيانية، بالإضافة إلى مقاييس مثل المتوسط والانحراف المعياري وغيرها.

2. الإحصاء الاستنتاجي

Inferential Statistics

بعد أن نفهم البيانات الموجودة لدينا، يمكننا استخدام الأساليب الإحصائية للاستنتاج حول المجتمع الأكبر الذي جاءت منه العينة، مع مراعاة مقدار عدم اليقين في هذه الاستنتاجات.

ومن هنا يمكننا مثلًا اختبار الفرضيات، وتقدير القيم، ودراسة العلاقات بين المتغيرات.

3. التحليلات "التنبؤية"

Predictive Analytics

لا نتوقف دائمًا عند فهم ما حدث، بل يمكننا أيضًا استخدام البيانات المتوفرة لبناء نماذج تساعدنا على التنبؤ بما قد يحدث مستقبلًا أو بتقدير قيم غير معروفة.

فمثلًا، إذا كانت لدينا بيانات سابقة عن الوزن، والعادات الغذائية، والنشاط البدني وغيرها من العوامل، فقد نستخدمها لبناء نموذج يساعدنا على توقع التغيير المتوقع في الوزن.

لكنه يبقى تقديرًا احتماليًا وليس حقيقة مؤكدة.

وأين يأتي عالم البيانات؟

هنا نصل إلى مجال أصبح حاضرًا بقوة في عالمنا اليوم:

علم البيانات (Data Science).

تحتاج الكثير من الشركات والمؤسسات إلى أشخاص يستطيعون التعامل مع البيانات، وتحليلها، واستخراج المعلومات والأنماط المفيدة منها، وبناء النماذج التي تساعد في اتخاذ قرارات مبنية على البيانات.

ويجمع عالم البيانات عادةً بين مجموعة من المهارات، مثل:

الإحصاء + الرياضيات + البرمجة + التعلم الآلي + فهم المجال

أما محلل البيانات (Data Analyst)، فيركز بحسب طبيعة عمله على جمع البيانات وتنظيفها وتحليلها وتلخيصها، واستخراج الأنماط والعلاقات منها، ثم عرض النتائج بطريقة تساعد المؤسسة على فهم وضعها واتخاذ قرارات أفضل.

ولا يوجد دائمًا حد فاصل واضح بين الدورين؛ فهناك تداخل كبير بين مهام ومهارات محلل البيانات وعالم البيانات، وتختلف طبيعة العمل من مؤسسة إلى أخرى.

هذه هي قصتنا...

إذن، الإحصاء ليس مجرد مجموعة من القوانين التي نحفظها ونطبقها.

الإحصاء هو طريقة للتفكير في البيانات.

نبدأ بسؤال، ثم نحدد ما نريد دراسته، ونجمع البيانات المناسبة، وننظمها ونصفها، ونحللها، ثم نستخدم الأساليب الإحصائية المناسبة للوصول إلى استنتاجات أو بناء نماذج تساعدنا على فهم الواقع واتخاذ قرارات أفضل.

ولهذا، فإن تعلم الإحصاء لا ينبغي أن يكون مجرد حفظ للقوانين.

بل هو رحلة تبدأ من سؤال، وتمر عبر البيانات، وتنتهي بـ فهم واستنتاج.

ولكي يخوض الطالب هذه الرحلة، يحتاج إلى فهم كل خطوة، وفي سياق تطبيقي واضح، حتى لا تصبح القوانين مجرد معادلات على الورق، بل أدوات تساعده على فهم العالم من حوله.